وهبة الزحيلي
93
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ أي أقدم بعضهم حال شربهم واجتماعهم ومعاشرتهم في مجالسهم ، يسأل بعضا آخر عن أحوالهم التي كانوا عليها في الدنيا ، وماذا كانوا يعانون فيها ، وذلك من تمام نعيم الجنة . ومن موضوعات التساؤل قوله تعالى : قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ : إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ، يَقُولُ : أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ، أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ أي قال مؤمن من أهل الجنة : كان لي صاحب في الدنيا كافر بالبعث منكر له ، يقول : أنحن إذا متنا وصرنا ترابا متفتتا وعظاما بالية ، أنكون محاسبين بعدئذ على أعمالنا ، ومبعوثين نجازى على ما قدمنا في الدنيا ؟ فذلك أمر مستحيل غير معقول ولا مقدور لأحد ، فهل أنت مصدق مثل هذه الخرافات ؟ قالَ : هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ؟ قال المؤمن لجلسائه : انظروا معي إلى أهل النار لأريكم ذلك القرين الذي قال لي تلك المقالة ، كيف يعذب ، وكيف يجازى الجزاء الأوفى ؟ فَاطَّلَعَ ، فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ أي فنظر ذلك المؤمن إلى أهل النار ، فرأى قرينه في وسط جهنم ، يتلظى بحرّها . قالَ : تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ، وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ أي قال المؤمن لقرينه الكافر على جهة التوبيخ : لقد قاربت أن توقعني في الردى والهلاك بالإغواء ، وتهلكني بدعوتك إياي إلى إنكار البعث والقيامة ، ولولا رحمة ربي وعصمته من الضلال ، وتوفيقه وإرشاده لي إلى الحق ، وهدايته لي إلى الإسلام ، لكنت من المحضرين معك في النار للعذاب . ثم عاد ذلك المؤمن إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة ، فقال :